يحيى السهروردي ( شيخ اشراق )

234

مجموعه مصنفات شيخ اشراق

القبول إلى غير النهاية ، والفاعل له قوة الفعل أيضا إلى غير النهاية ، والمعدّات أيضا غير متناهية ، فانفتح باب البركات والخيرات الغير المتناهية . وأشرف ما حصل بها النفوس الناطقة . وما أمكن حصولها دفعة ، إذ الموادّ والأبدان متناهية ، فحصلت على التعاقب دورا بعد دور أزلا وأبدا . ولمّا كانت الحركات مشتركة في الدوريّة تشبّها من حيث هذه الاشتراك بمبدأ واحد هو واجب الوجود ، كانت العنصريات مشتركة في مادة . ولمّا اختلفت الجهات للحركات باختلاف المعشوقات ، اختلفت الصّور والأحوال . فسبحانه ، سبحانه ، « لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ » « 1 » . « وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ » « 2 » . ( 141 ) واعلم أنّ « العناية » هو إحاطة الحق تعالى بكيفيّة نظام الكلّ وما يجب عليه الكلّ . وابتدأ الوجود من الأشرف فالأشرف حتى انتهى إلى الأخسّ ثمّ ابتدأ من الأخسّ إلى الأشرف حتى انتهى إلى النفوس الناطقة . ثم صارت النفوس المستكملة المتطهرة بعد المفارقة عقولا . « صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ » « 3 » : كان من العقل ، ثمّ صار إلى العقل والله تعالى منه بدأ كل حيّ وإليه عاد . فالعوالم ثلاثة : عالم عقليّ وعالم نفسيّ وعالم جرميّ . فالفيض متصل من الواجب وجوده إلى العقل ومنه إلى النفس ومنه إلى الجرم . اللمحة الخامسة - [ في الشرّ ] ( 142 ) هي أنّ « الشرّ » لا ذات له ، بل الشرّ عدم ذات أو عدم كمال لذات . وما يؤخذ شرّا فإنّما هو لإفضائه إلى عدم ما ، إذ لو كان موجودا ما فوّت شيئا على غيره فليس شرا لغيره ولا لنفسه . والإصبع الزائدة إنّما يؤخذ شرا لأنّها تبطل هيئة حسنة عن اليد وكذا غيرها . والقسمة تقتضي : خيرا لا شرّ فيه ويجب وجوده عن الحق الأول كالعقول ؛ وشرا لا خير فيه وهو ممتنع الوجود وهو العدم البحت ؛ وشرا كثيرا مع خير قليل فلا يحصل عن

--> ( 1 ) سورة 2 ( البقرة ) آية 255 . ( 2 ) سورة 13 ( الرعد ) آية 8 و 9 . ( 3 ) سورة 27 ( النمل ) آية 88 .